الأربعاء، 29 يناير 2025

مراجعة سيكولوجية الجماهير

يتمحور الكتاب حول علم نفس الجماهير بكل خصائصها وصفاتها، ويقدم دراسة تفصيلية تحليلية تصلح لكل زمان ولكل بلد، فالجماهير تتشابه حد التطابق مهما كانت ديانتها وثقافتها، ولكن الكاتب اقتصر بأمثله على الثورات والشعوب الأوربية غالباً.
الكتاب مقسم إلى ثلاثة فصول رئيسية: روح الجماهير وآراء الجماهير وأصناف الجماهير.
ويعني بروح الجماهير تلك الخصائص العامة التي تتصف بها المجتمعات بعواطفها ومبادئها وأخلاقها وأفكارها.
أما القسم الثاني فهو عن آراء الجماهير وعقائدها وما العوامل التي تشكل عقيدة جمهور ما سواء كانت عوامل مباشرة أو بعيدة، ويوضح أثر العِرق وتقاليد المجتمع والدين والتعليم على أفكار جمهور ما.
وفي قسمه الثالث والأخير يصنف الجمهور إلى فئتين: جمهور متجانس له أرضية مشتركة وجمهور غير متجانس، فكيف تتوافق تلك الجماهير إلى صيغة واحدة تحركها مهما كانت خلفية الفرد الشخصية؟
وفي صفحاته الأخيرة يعرض دورة كاملة لحياة حضارة ما بدءاً من نشأتها وحتى وصولها إلى عصر الإنحطاط والسقوط.
يندرج الكتاب تحت علم الاجتماع ولكنه ليس بعيد عن السياسة فعلى القادة أن تدرس طبيعة الجمهور قبل وأثناء حكمه لمعرفة طرق التواصل معه والتأثير فيه لاستغلال تلك الجموع في صالح الهدف العام.
ومع أن الكتاب لا يتجاوز ١٦٠ صفحة إلا أنه كتاب عظيم، لخّص الشعوب بكل تحركاتها ونشاطها وسلوكياتها.



الأربعاء، 1 يناير 2025

مراجعة رواية الأشياء التي تنقذنا


ماذا يلزمك لتعيش؟ وما الذي تحتاجه لتحيا؟
كم يمكن للمرء أن ينتظر؟
متى يأتي التغيير؟
كم يستطيع الأمل أن يقاوم، وكم تعيش الذكريات؟
في قلب ميلانو تدور أحداث الرواية بين ماضي "جيا" وبين حاضرها، كيف عاشت طفولتها في حصن لا أحد فيه سوى أخ وأب وأم، وكيف استطاعت التعايش مع المجتمع حين خرجت من ذلك الحصن، وكيف تشبثت بذكرياتها الجميلة جاعلة منها وقود الأمل.
رواية تضج بتفاصيل النفس البشرية بوساوسها وضعفها وقلقها وذكرياتها، مغرقة في العزلة، مفعمة بالأمل، مليئة بالرضا عن الحياة بكل فصولها وتقبل الآخرين بكل عثراتهم.
رواية عفوية وكأن المرء يتحدث مع نفسه، مليئة بالحِكم، تجمع بين بساطة الألفاظ وبلاغتها.
تنبهنا الرواية لقيمة التفاصيل وقدرتها على تجميل الحياة، وتسلط الضوء على الذكريات وأثرها بتحويل الجماد لأشياء حية.
وتثبت لنا أن الإنسان حتى وإن نجح في تخطي كثير من الصعاب وحده؛ ولكن السعادة لا يمكن أن تكون إلا جماعية، وتبين لنا كيف تصلح الصحبة الصحيحة عَطب الحياة.
رواية تعلمنا ماذا تصنع العزلة بالمرء، وكم تنجح في خلق إنسان غير مكرر، وكيف يتعارك الطموح مع الحياة الواقعية.
وتطلعنا على قيمة الحديث مع النفس والاستماع لها، والاكتفاء بالقليل، والنظر للحياة من زاوية الجمال البسيط الساكن.
وتعلمنا أن الإصرار يُثمر، وأن التحايل على الحياة هو أداة التغيير، وأن الانتظار السلبي لا نتيجة له.
وتبين لنا أن إصلاح الأشياء المعطوبة شيء بسيط تافه مقارنة بإصلاح الأشخاص.
وأن الغنى لا يقاس بما يملكه المرء بل بمن يتشارك معه الاهتمامات.
وأن البساطة أداة لطيفة لمواجهة الحياة المقعدة.
وأن التأمل والانعزال يمدان الإنسان بالسكينة والسلام النفسي.
الرواية من ٤٥٠ صفحة تقريباً من إصدار دار شفق وترجمة أماني فوزي حبشي التي جعلت من الرواية استراحة لطيفة، واستطاعت ببلاغتها إلغاء الحاجز بين لغة الرواية الأصلية والمترجمة.
  

مراجعة كتاب استرداد عمر

تَفحّصْ جسدك!
راجع عملك!
لابدّ أن دُرّته أصابتك في مكان ما....
ذاك الذي ملأ الأرض عدلاً؛ يملك سيرة يجب أن تُدرس وتُدرَّس.
في هذا الكتاب دراسة تفصيلية تحليلية لحياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بدءاً من إسلامه بالقصة التي نحفظها، وانتهاءً بعمر الذي ما سلك طريقاً إلا وسلك الشيطان طريقاً غيره.
هو الذي أصابته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعزَّ بالإسلام وعزّ الإسلام به.
ولكن كيف!
كيف غيّر الإسلام بوصلته؟ وكيف أوصله لمنزلة قال عنه رسول الله لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب؟
كيف استطاع بناء حضارة عجزت عنها الأمم بعده؟
لا يسرد الكتاب قصة حياته على طريقة القصص والحكايا؛بل يعيد قراءة التاريخ بطريقة تمكننا من إعادة سيرته واسترداده؛ إن طبقنا نهجه وفهمنا خطته.
يقف العُمري على كل تفصيلة مذكورة عنه، وكل مقولة نُقلت عنه، ويردّ على كل ادعاء افتُري به عليه، مُصحِحاً ومُفنداً وشارحاً.
ويمشي مع التاريخ الذي صنعه والحضارة التي بناها واقعة واقعة بلداً بلداً، مستخرجاً كل العهود والمواثيق والوصايا التي أرسلها للعمل بها. ومستنطقاً كل الآليات التي تعامل بها بعد تعاظم دوره حين أصبح أميراً للمؤمنين. 
لم يقف التاريخ على شخص جمع الكمال بين القيادة الإدارية والسياسية والاقتصادية والدينية كما حدث مع عمر، لذا حريّ بنا دراسة سيرته وتدارسها في محاولة للسير على خطاه. 
وإن كان لكل فرد من اسمه نصيب لا أظن أن أحداً استطاع أن يُعمّر الأرض؛ كما عمّرها عمر وبناها.
وإن كان هناك كتاب يستحق أن تبكي عند انتهاءه فهذا هو، لأنك ستبكي حزناً على زمانه متحسراً على عدله، 
وستبكي من عظم المهمة الموكلة إليك باستراد عمريتك في فهمك وسعيك وبناءك.
وما أجمل أن تقرأ بقلم عُمريّ الهوى والنسب عن عمر....


مراجعة رواية دار خولة

كتَب الجميع عن صدمات الأطفال وآثار التربية الخاطئة وسكتوا عن صدمة الأمهات من نشأة أبناءهن على غير ما ربوهم عليه.
ولكن بثينة التي اعتادت أن لا تنسى، لم تسكت ولم تنساهن.
إلى الأمهات الوحيدات اللواتي حرمهن أبناؤهن من ممارسة دور الأمومة حين شبوا، وإلى الأمهات التي ابتعد عنهن أبناءهن استخفافاً أو هروباً، إليكن هذه الرواية.
لا تتجاوز صفحاتها ٨٥، ولكنها بكل جملة قادرة على تحريك جيش من المشاعر، فبعض الروايات لا تصنفها حسب عدد صفحاتها بل بعدد كلماتها وحروفها وبحجم المشاعر التي تثيرها.
عن الأم وثقل مسؤولية اختياراتها، عن قصة الأمومة وتكلفة الخطأ فيها، عن أثر الحلم الغربي، عن انسلاخ الجيل من المجتمع المقيم به، عن علاقة الأم بأبناءها، عن وحدة الأمهات حين يصلن إلى الشيخوخة.
استطاعت بثينة بقلمها أن تربت على كتف الأمهات الوحيدات، وتهمس في أذن كل أم قارئة، وتؤكد لكل أم مستقبلية أن دورها أصعب دور في الحياة،
وأن بعض الأخطاء لا تُصحح، وبعض الأحلام البيضاء تكون شديدة الظلمة.
وأن خولة ليست مجرد بطلة في رواية بل هي أنا وأنتِ وأنتن، ربما أمك، أختك، وربما مستقبل أمومتك، بل في كل أم حولك، هناك خولة تنظر بأسى إلى حوض سمكها الفارغ.

 

مراجعة رواية سجلات الشر جرائم النوم واليقظة

يتسرب إلى أحلامنا أثناء النوم جزء من الواقع؛ وعليه نبني أضغاث أحلامنا كلها.
ولكن!
هل يمكن للأحلام وخيالات النوم أن تهرب إلى الواقع؟
وهل يمكن للحقيقة أن تأتي مطابقة قولاً وفعلاً لما حلمنا به أثناء الليل؟
في سجل العيادات النفسية نسمع بأمراض غريبة ونادرة، وأحد هذه الأمراض يسمى وهم النوم واليقظة.
تسلط الرواية الضوء عليه وهو بحالته المتقدمة النادرة، حين يختلط واقع المريض بمناماته، ويدخله بعد ذلك في صراعات الإنكار والإقرار بينه وبين نفسه.
ويشرح تأثير الأوهام والأمراض النفسية على خيارات المرء اليومية وقراراته المصيرية وتقلب حالته النفسية.
الرواية لحدود ٢٠٠ صفحة مليئة بالعبارات الأدبية البليغة، تلك التي تصلح لتكون قراءات في الحياة والناس، والتي تُنسيك لوهلة أنك داخل رواية.
نجد بين سطورها أحداث تجسد الصداقة، وميثاق الحب الطويل، وعلاقات الانجذاب المستحيلة لكثرة العوائق.
نقرأ فيها عن صدق حدس الإنسان وصحة انطباعه الأول، كما تصوّر لنا الخوف بمختلف حالاته، خوف الإنسان من أحلامه، وخوفه من نفسه على من يحب.
وندرك بعد قراءتها أن البشري الواحد عالَم من الأسرار، وأن ما يخفيه المرء أكثر بكثير مما يبديه.
تتوالى أحداث الرواية بتصاعد مشوق مما يُمهد لنهاية صادمة ومرضية لقارئ يكره النهايات الضبابية المفتوحة.

مراجعة رواية ساحر أو مجنون

بل هو ساحرٌ مجنون، لا يخلو شعره من سحر ولا تخلو شجاعته من جنون.
اتخذ من الترحال وطناً ومن القصيدة نَسباً، وما قال أحد شعراً حسَناً إلا وكُنّي متنبي زمانه، وخُلّد اسمه في التاريخ ليكون أيقونة الشعر والشعراء.
رواية من ٦٠٠ صفحة تروي سيرة حياة المتنبي، تقرأ فيها عن التاريخ والسياسة والأدب، وتعايش حياة الملوك والحكّام، تعبق رائحة الصحراء بين حروفها وأحداثها، وتصارع بين صفحاتها أهوال الحرّ والجوع والعطش والأسر والوحدة.
كل فصل فيها لوحة بصرية، وكل قصيدة ذكرها الكاتب أعطت للرواية سحراً وعُمقاً وإيضاحاً.
تبدأ الرواية من ولادة المتنبي عجياً دون أم، وتُتابع أحداث طفولته ونشأته بسرد وحبكة تأسر القارئ وتتركه في سجن الصفحات بل وتقسم عليه أن لا يتركها قبل إكمالها.
تأخذنا برحلة متكاملة فنزور الصحراء ونشعر بِحرّها ولهيب شمسها ونعايش مهالكها حتى نكاد ننفض الرمل عن أعيننا ونجول ببصرنا باحثين مع المتنبي عما يطعمنا ويسقينا، ونُسرج خيلنا حين ينطلق المتنبي على صهوة فرسه، ونتحسس أقدامنا حين يقطع الفيافي وحيداً ماشياً حافياً.
نجد أنفسنا بين السطور غارقين في تفاصيل حياته، نحمل السيف معه تارة ونقول الشعر وننظمه تارة أخرى، نلعن الملوك حيناً ونرحل معه في تنقلاته حيناً أخرى.
نعيش بين صفحاتها بين العراق والشام وأنطاكية ومصر ونبكي مع أحداثها دمعة على المتنبي وقسوة عيشته ودمعة على ما آلت إليه حال البلاد.
رواية جزلة التعابير فصيحة العبارات تفيض بالأبيات الشعرية والقصص التي كانت سبب نتاجها، تنقلنا إلى جوّ الصحراء وبلاط الملوك وتصور حياة المتنبي بكل مراحلها وتنقل للقارئ صورة حيّة لوحدته وعزلته، فيتمنى لو أنه آنسه في وحدته أطعمه حين جاع ذبّ عنه المتشاعرين ورحل معه حيثما ارتحل يجوب الصحراء لا يبالي بأي خطر يلاقيه.
وإنني كقارئ شعرت أن المتنبي قبل حلب وخولة ليس كالذي بعدها.
لقد ألبسه الحب ثوب السكينة ونزع عنه شراسة الطباع وكساه الشوق استكانة لم يكن ليرضى بها قبله. لقد زهّده الحب في الدنيا ومطامعها رويداً رويداً حتى عاش سنواته الأخيرة في ملل من الحياة بكل مافيها حين قصُرت الحياة عن غايته ومطلبه.
تنتهي الرواية بموت المتنبي جسدياً، فهو حتى الآن ما زال حيّاً في دواوين الشعر وألسنة الشعراء.
ومع أن المتنبي لم يترك خلفه وارثاً إلا أن كل شاعر وفارس وبليغ له من تركته الأدبية نصيب.
وما من روائي أحق بأن يُخّلد مسيرة هذا الفارس الشاعر أكثر من العتوم الذي يتنفس بلاغة وفصاحة.
وإن صحَّت أحداث تلك المخطوطة التي بُنيت عليها أحداث الرواية؛ فهو والله جدير بكل هذه الحفاوة والتقديس.

مراجعة رواية خرائط التيه

أيحتاج المرء لخريطة حتى يتوه!
وهل للتيه خرائط!
في صحن الطواف تتبدل حياة عائلة كويتية ويتغيّر مسار رحلة حجها، لتصبح رحلة بحث عن طفلها الضائع.
تحكي الرواية قصص الخطف والتهريب، قصص التسول والظلم الطبقي وتُسلط الضوء على عصابات الاتجار بالبشر.
من مكة إلى عسير إلى سيناء تجري قوافل بشرية باتجاه حتفها، فهل سينجو هذا الصغير ابن السنوات السبع وكيف عاش خلال هذه الأيام، وهل نجحت مقاوماته أمام الظلم أم استسلم.
تسرد الرواية أحداث اثنين وعشرين يوماً بعد فقد الطفل، وتقف مع كل شخصية على حِدَة لتشرح كيفية تعاملها مع هذا الحدث، كيف صبرت الأم وتصبرت كيف ضاع الأب في تيه آخر وكيف حمل العم شعلة الأمل حتى آخر صفحة، وما نتائج هذه الحادثة على الصعيد الأسري والشخصي، وكيف دخل كل فرد منهم في تيه لا يشبه تيه الآخر.

رواية مليئة بمشاعر الأمومة والترقب والتشويق والحزن والدموع والدعاء بنهاية مرضية جداً لقارئة تعرف أن الواقع أقبح من نهايات مثالية تشبه حكايا الأطفال.
تُصر بثينة في كل رواية على أن تفتح في قلوبنا جرحاً لا يلتئم، وتُوجّه مؤشر بوصلة التفكير والمشاعر إلى جهة جديدة يجهلها القارئ. وتتركه في مواجهة واقعية مع الوجه المظلم للحياة.
في نهاية الرواية ستدرك أن لكل منا خريطة يتوه عنها ويتوه فيها، وربما تكون الحياة بمجملها عبارة عن تيه ولا نحتاج سوى لخطة وخريطة فردية لنعبر هذا التيه بسلام. 

مراجعة رواية صيف سويسري

ما قيمة الحياة لمن تخلى عن ذاكرته؟
بل كيف يتحايل المرء على ذكرياته المؤلمة ليكمل الحياة؟
كم يستطيع المرء التمسك بأحلامه!
وكيف يتمكن من اخفاءها؟
هل ينتهي الانتظار؟ أم يمتد على امتداد العمر!
رواية تجمع بين الماضي والحاضر بين الشرق والغرب نعيش بين صفحاتها في زمن الأحزاب السياسية المعقدة في العراق وبين هدوء مصحة سويسرية، ذاك البلد المحايد البعيد عن السياسة وأحزابها.
بقلم رشيق كريشة، ولغة مكثفة كغيمة ممتلئة توشك على الهطول، استطاعت انعام نقل تجربة أربعة أشخاص مهاجرين ينتسبون إلى أربع خلفيات ثقافية ودينية وحزبية مختلفة، لا يجمعهم سوى جرأة على التجربة وماض معقدِ حريٌّ بأن يُنسى، يجتمعون بهدف التعافي من إدمان الأحزاب وخوض تجربة الانسلاخ عن ايديولوجياتهم.
رواية قصيرة بالرغم من فكرتها العبقرية، يستطيع المرء انهاء قرائتها بجلسة واحدة، فلا أحد يرغب بتأجيل متعة لغوية، ولكن الأسئلة التي تخلفها في رأس القارئ لا تنتهي بانتهاء القراءة لأنها تتركه في حيرة وتساؤل مُلحّ، ما الذي يبقى من الإنسان إن خلع رداء شخصيته التي بناها؟
وهل يتسع العمر لتجربة شخصية جديدة؟
 أيكون لحياتنا معنى لو أنا تخلينا عما نؤمن به!
 

مراجعة كتاب الأيام

يثبت لنا طه حسين في كتابه الأيام أن العوائق وهمية، وأن الرؤية لا تحتاج إلى نظر، وأن الطموح لا حدود له.
ويؤكد على أن الكسول هو الذي يرمي ضعفه على الأقدار، وأن كلمة واحدة قد تتعلق برقبة المرء حتى مماته، وأن الإصرار بكل هزماته الأولى يحقق النتيجة المطلوبة.
وكانت مسيرة حياة طه حسين كلها دليلاً على أن العلم فتنة العقول وحافز للاستزادة وطريق لا ينتهي.
لم يخطئ من وصف طه حسين بأنه مبصر وسط العميان، فمن خلال أيامه في هذا الكتاب يُرينا مصر التي لم يشاهدها بعينيه بل سمعها بأذنيه، ويشاركنا يومياته حركة حركة يوماً بيوم، ويعرفنا على الاختلاف الكائن بين الحياة في الريف والقاهرة بأدق التفاصيل، فنرى ونسمع ونشم ونتذوق ما عايشه حتى نكاد نستنشق رائحة الفول والخبز والشاي ونستطعم الدبس والبليلة ولدقة وصفه نستطيع التفرقة بين أصوات القرى والمدن في الأسواق والحارات ونداء المآذن ونمط الأحاديث المتبادلة بين الناس المختلفة باختلاف مجتمعهم.
ونتعرف خلال يومياته على الصحف الموجودة آنذاك، وعلى مشايخ الأزهر ودكاترة الجامعة واصفاً البيئة المصرية بكل طبقاتها بدءاً من أصحاب الطرابيش حتى باعة الطريق.
كتب عن حياته طفلاً  بين المسجد والكُتّاب متنقلاً مع الصبية بين أزقة الريف وحوانيته، ثم انتقل إلى أروقة الأزهر وعواميده ودروسه ومشايخه، ويذكر قصة تعرّفه على الأدب وافتتانه به ومن ثم انتقاله إلى الجامعة بعد أن أغرته العلوم المتشعبة فيها، وهو في كل هذا يشرح صعوباته بكونه رجلاً أعمى فقير لا يمتلك سوى لساناً يسأل وهمة لا نظير لها، فهو الذي فتح باب الدنيا على نفسه بأسئلته ونقاشاته التي لا تنتهي مع كل شيخ وأستاذ سمع منه.
في الجزء الأخير يصطحبنا في رحلته إلى فرنسا ذاكراً مصاعبها وعوائقها، وكم كافح للحصول على بعثته تلك وكيف غيّر هذا السفر مستقبل حياته، ويمر خلال ذلك بأحداث الحرب والاستقلال والاضراب، ويذكر كل الصعوبات التي تعرض لها والتحديات التي تخطاها في سبيل العلم ويتطرق للأشخاص التي عاشرها ولعبت دوراً في حياته بالاسم.
ومع أن كتابه يُعدّ سيرة ذاتية بدءاً من طفولته حتى حيازته على شهادة الدكتوراه في فرنسا وعودته إلى مصر؛ إلا أنه لم يكتبه بصيغة المتكلم بل اعتمد على الضمير الغائب على لسان الفتى الشيخ وهذا ما أعطى تلك السيرة بُعداً ثالثاً أوصلها للعالَمية، فلا يذكر أحد طه حسين إلا وذكر أيامه.
اعتمد في كتابه على حاسة الشم والسمع وشعرتُ بأنه أهمل حاسة اللمس فلم يذكره اعتماده عليها في شيء.
الكتاب تقريباً 500 صفحة وهو على ثلاثة أجزاء.
ولعل أكثر ما أعجبني بشخصيته أنه لم يندم على أي شي فعله أو مقولة قالها لأنه حسب ما بيّن "لم يستجب فيما قال أو فعل إلا لما كان يدعوه إليه ضميره من الإقدام في غير تهيبٍ ولا وجلٍ"
في النهاية نستطيع القول بأنه رجل عاش بأذنيه واتخذ من عَمَاه تحدياً للوصول لما يريد.
بعد الإنتهاء من قراءة الكتاب تدرك كم كان العلم وافراً ولكن أساليبه كانت بدائية وطريقة تحصيله صعبة وتحتاج الى جهد. 

مراجعة رواية مواعيد قرطبة

رواية تاريخية أدبية تجمع بين الخيال والواقع، تحكي قصة شاب حالم عرف قدر نفسه، وآمن بقدرته على تحقيق أحلامه، وقاتل حتى وصل إليها. إنها قصة فتى...