البشر على ثلاثة أصناف: ذكور وإناث وأمهات، هذا ما كتبته أمنية الخياط في كتابها نسوة المدينة، وكلما تعمقتُ في الحياة أكثر أزداد إيماناً بهذه الجملة، فلا شيء يشبه دور الأمومة.
وقد أدركتُ من تجربتي أن في الأمومة تربية للنفس قبل تربية الولد.
فقد تعلمت من الأمومة أهمية التوازن وترتيب الأولويات وتقديم المصالح وآثار ضبط الانفعال، وعلمتُ أن لبعض التضحيات جانب مشرق.
وتعلمت أن وجود قانون في المنزل يعلم الطفل احترام المبادئ وتقديس حدود الشرع والانضباط حسب قوانين البلد.
وتعلمت أن التربية على مبدأ الحلال والحرام هو المنهج الذي علينا المحاربة للسير عليه، وأن العيب كلمة اخترعها المجتمع وأنها أقل رتبة من كل الممنوعات.
وتعلمت أن شرح آيات الله يأتي قبل حفظها، وأن قصص الصحابة والأنبياء هي تقديم قدوات للجيل، وأن مشاركتهم في قرارات البيت تصنع منهم شخصيات فعّالة.
تعلمت أن المقارنة أسوء طريقة في التربية، وأن لكل طفل أسلوب، ولكل طفل حاجات، ولكل طفل طريقة يعبر بها عن غضبه وحزنه وحبه تختلف باختلاف البشر.
وتعلمت أن الدقائق التي تقضيها الأم تستمع لأحاديث ابنها خير لها من كل الأحاديث اليومية، وأن قصة قبل النوم فقرة مقدسة، وأن كل مشكلة يمكن أن تُحل عن طريق قصة.
تعلمت أن احترام الأطفال هي الخطوة الأولى في التربية، وأن فهم مشاعرهم أول نقطة تواصل، وأن معاملتهم لا تكون حسب حجهم؛ بل على مقاس ما ننتظره منهم في الحياة.
تعلمت أن تربيتهم لزمن لا يشبه زماننا هو أكبر تحدي، وأن صعوبة الأمومة تكمن في عدم إسقاط عقدنا النفسية عليهم، والحرص على عدم زراعة عقد أخرى في شخصياتهم.
وتعلمت أن في بعض القسوة حب، وأن العقوبات والمكافآت أدوات تهذيب، وأن الأمومة ليست إلا توازن في العطاء وحكمة في المنع، واحتواء حتى عند الغضب.
تعلمت أن أعظم مهام الأم تتجلى حين تعلمهم كيف يحبون دون تذلل، وكيف يحزنون دون أسى، وكيف يغضبون دون ضرر، وكيف يقولون لا بأدب ويقولون نعم دون تصاغر.
تعلمت أن الأم المشغولة عن أطفالها أم مقصرة، وأن الأم الحزينة أم مؤذية، وأن الأم الواعية هي التي تدرك حجم مسؤوليتها.
تعلمت أن أولى مهام الأم تتمثل في تعليمهم قيمة الوقت، وأصعب مهامها تتجلى في قدرتها على عدم تكرار أخطاء المجتمع في التربية.
وتعلمت أن ضحكة الطفل أعذب موسيقا، وأن خيال الطفل مادة وفيرة تستثمر في التربية، وأن الأطفال لا ينجحون في شي كما ينجحون في التقليد، وأن كل الخُطب المتلوة عليهم لا تنفع إن لم نطبقها نحن.
تعلمت أن الأطفال ليسوا لنا مهما حاولنا التمسك بهم، فهم أمانة الله عندنا ولنا واجب نؤديه فيهم، وأنهم يسابقون الزمن في النمو، وأنه حتى اللحظة التي نغمض بها أعيننا ينمو بها الطفل.
تعلمت أن حاضرنا معهم هو ذاكرتهم عن الحياة، وأن خططنا ذخيرتهم عن الأمل، و وأن قناعاتنا هي عيونهم عن المستقبل.
وأدركت ألا شيء في الدنيا يعادل ما تفعله الأم، وألا تجربة تعادل هذه التجربة، ولا صبر يفوق صبر الأم، ولا ألم يفوق ألم الأم ولا مشقة تفوق على مشقتها.
وتعلمت أن للأمومة حق علينا في الاستعداد لها، وأنها ليست مَلَكة فطرية بل يلزمها التعلم والتخطيط والتطوير، وأن تدريب الأنثى استعداداً لهذا الدور من أولى الأمور التي علينا الحرص عليها قبل الزواج.
وتعلمت ألا أمومة كاملة، ولا أمومة مثالية، وأن الأمهات لسن على درجة واحدة، وأن للإناث مهارات لا تتشكل إلا حين تصبح إحداهن أماً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق